السبت، 24 أغسطس 2013

الأوانى الفارغـه

الأوانى الفارغـه

   (عقد من النجوم الصغيره ، المتلألأه فى السماء حول القمر يزين عنقها .. وشعور طاغ ٍ بالسعاده يغمرها )
كان هذا آخر مارأته الأميره الصغيره فى منامها ، فإستيقظت وصورة هذا العقد ، ونشوة هذا الشعور منقوشه فى ذهنها ونفسها لاتفارقه ، فإمتلأت رغبه وشوق للحصول على مثل هذا العقد ، وأصبح هذا الأمر هو شغلها الشاغل ،وضالتها المنشوده ، كأنها بدونه لاشيىء وبه ستصبح كل شيىء.
وعلى الفور حملت الأميره الصغيره هذه الرغبه إلى والدها الأمير، الذى لم يؤخر لها رغبه من قبل ، فكل أحلامها ورغباتها أوامر واجبة النفاذ فور الإعلان عنها ، فهى إبنته الوحيده التى رزق بها بعد طول إنتظار.
ودون تفكير ، أمر الأمير كل جواهرجية الإماره بالعمل على تحقيق رغبة الاميره ، لكنهم أخفقوا جميعا فى تحقيقها بعد عدة محاولات فاشله ، فصعقت الأميره الصغيره ، وتزلزل كيانها ، وإنطلقت إلى حجرتها حزينه باكيه ، فإنخلع قلب الأمير لحزنها وإنكسارها ، وأمر بقتل جميع الجواهرجيه ، وأرسل من ينادى فى أرجاء الإماره برغبة الأميره الصغيره فى عقد من النجوم الصغيره المتلألأه فى السماء حول القمر ، ووعد من يحققها بالخير الوفير والعطاء الجزيل .
وإنبرى سكان الإماره لتحقيق تلك الرغبه ، وأصبح لاشغل لهم ولاحديث إلا عقد النجوم ، وشلت أسباب الحياه فى الإماره تماما، المزارعون أهملوا أرضهم وزراعتهم وخلت الأسواق من الخضر والفاكهه ، والصنـّاع أهملوا صناعتهم وفرغت الأسواق من الملابس والمنسوجات وأدوات المعيشه والصيادون أهملوا صيدهم وشحت الأسماك فى الأسواق،الجميع ترك مايحسن ومايتقن من عمل ، وإنطلق يلهث وراء رغبه طائشه أقرب للجنون منها إلى العقل والحكمه .
وفشل الجميع فى النهايه فى تحقيق رغبة الأميره الصغيره التى لم ترض إلا بتحقيقها ، فإزدادت حالتها سوء على سوء حتى إنها لم تعد تقبل على طعام أوشراب ، وفقدت رغبتها فى الحياه نفسها ، وأوشكت على الهلاك ، وفشلت كل محاولات الأطباء فى علاجها وإخراجها مما هى فيه ، فجن جنون الأمير ، وأمر بقتل الأطباء جميعا ً.
ولاحت نذر المجاعه وشبحها  فى أفق الإماره ، بعد البحبوحه ووفره العيش التى كانت تنعم بهما ، وأصبح الناس يعيشون على ماتجلبه السفن من طعام وشراب وأدوات معيشه من خارج الإماره ، بعد أن فرغت منها الأسواق ، وإستغل التجار تردى أوضاع الإماره  ورفعوا أسعار بضاعتهم ، نظرا لحاجة الناس إليها ، وإقبالهم الشديد عليها ، إلا حفنه صغيره من التجاركانوا من خارج الإماره ، وكان السكان يعرفونهم بسمتهم وسماتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم ، وكانوا يطلقون عليهم التجار المسلمين ، لم يفرح هؤلاء التجار بتردى أوضاع الإماره كما فرح غيرهم ، بل ساءهم ذلك وأحزنهم، ولم يرفعوا أسعار بضاعتهم كما فعل غيرهم ، بل خفضوها لمن توسموا فيهم الفقر وعدم الإستطاعه ، وأكثر من ذلك راحوا يتشاورون ويفكرون فى كيفية مساعدة أهل الإماره على إستعادة نشاطهم وحيويتهم ، وتجاوز ماألم بهم من ضيق وضنك ، ولم يقولوا كما قال غيرهم أن الأمر لايعنيهم ، بل قالوا هكذا المسلم يحمل الخيردائما لأى مكان يحل فيه وينشره على من حوله .
وإستقر رأى التجار المسلمين بعد تشاورهم على إرسال أكثرهم علم وحلم وحكمه إلى قصر الأمير – وكان شيخا كبيرا وضيىء الوجه عليه مهابه -  لتبصيره هو والأميره الصغيره بعواقب ماهم مقدمون عليه ، على أن يتولى باقى التجار أمر الرعيه فى حثهم على العوده إلى أعمالهم .
 وعلى الفور بدأوا فى تنفيذ ما إستقر عليه رأيهم ، متطوعين ومحتسبين أجرهم على الله ، فتزود الشيخ وحمل عصاه ، وإنطلق إلى قصر الأمير ، بينما راح باقى التجار يبينون لأهل الإماره ضلال سعيهم ، وفساد توجههم حين تركوا أعمالهم وأمور حياتهم ، وإنطلقوا يبحثون فى أمور لاقبل لهم بها ، فقالو لهم :
  - إن النجوم التى تبدوا صغيره فى السماء ليست كذلك فى الحقيقه ، لكنها عظيمة الحجم ، وإنما تبدوا صغيره لبعدها عن الأرض بمسافات كبيره ، وأن هذه النجوم خلقها الله زينه للسماء ، ولم يجعلها زينه يتزين بها أحد من أهل الأرض ، وهى مسخره فى فلكها ، وليس لبشر سلطان عليها حتى يزحزحها من مكانها فضلا عن أن ينزل بها إلى الأرض ....
وبدأت الناس تعقل ، وتفهم حديث التجار المسلمين ، وأخذوا على عاتقهم تبليغ الحديث إلى غيرهم ، حتى بدأت الناس فى الإماره تثوب إلى رشدها ، وينقطع أملها فى عقد النجوم المزعوم .
أما الشيخ الحكيم فقد بلغ قصر الأمير بعد عدة أيام ، ولم يفتر عزمه وحماسه للمهمه التى تطوع للقيام بها ، رغم ماناله من إجهاد وتعب ، وطلب من حراس القصر مقابلة الأمير ، فمنع من ذلك أول الأمر ، ثم مالبث أن أمر الأمير بإدخاله عليه بسرعه ، بعدما علم بالمهمه التى جاء من أجلها ، فدخل الشيخ متوكأعلى عصاه حتى وقف بين يدى الأمير ، وسمح له بالجلوس والحديث ، فجلس الشيخ يلتقط أنفاسه ، والأمير يتفرسه فى توجس محاولا إستجلاء أمره ، وطال صمت الشيخ ، فإستحثه الأمير على الكلام ، فقال الشيخ بهدوء وثقه :
  - أستطيع مساعدة الأميره الصغيره فى تحقيق رغبتها ، لوحقق لى الأمير رجاء ، وحققت لى الأميره الصغيره طلب .
فقال الأمير على الفور وقد إستهون الأمر :
  - كل ماتطلبه مجاب ، وسأمنحك فوق ماتريد وماتطلب .
ثم إستدرك الأمير كلامه مهددا ومتوعدا الشيخ ، بعد أن قبض بقبضته على الهواء بقوه وراح يلوح بها :
  - لكن .. إذا لم تحقق المطلوب ، لن يكفينى أن أنتزع روحك من جسدك نفسا نفسا ، وأشرب من دمك قطره قطره ، لأن الأمر أصبح لايحتمل أى إخفاق أو فشل .
فنظر الشيخ بإبتسامته الحانيه إلى الأمير المتحفز، غير آبه بتهديده ووعيده ، ملتمسا له بعض العذر، وقال بهدوء وثقه :
  - أما رجائى من الأمير فهو أن يأمر أهل الإماره بالكف عن السعى فى تحقيق رغبة الأميره الصغيره بعد أن وعدت الأمير بتحقيق ذلك بنفسى .
فهتف الأمير وقد أخذته الثقه التى يتحدث بها الشيخ :
  - لك ذلك .. وأمر من فوره بعودة كل صاحب عمل إلى عمله ، فعاد المزارعون إلى أرضهم وزراعتهم ، والصناع إلى صناعتهم ، والصيادون إلى صيدهم ، والتجار إلى تجارتهم ، فحمد الشيخ ربه على ذلك ، وسأله الأمير عن طلبه الثانى ، فقال الشيخ :
  - معذرا أيها الأمير ، فطلبى الثانى لاتنفذه إلا الأميره الصغيره بنفسها .
فأرسل الأمير فى طلبها ، فجيىء بها محموله من شدة ماأصابها من ضعف وإعياء بسبب حزنها وأساها ، فنظر إليها الشيخ بعطف ، وقد أخذته الشفقه عليها ، وطلب من الأمير أن يرسل من يأتى له بوعاء كبير، وأن يسمح له بالخروج مع الأميره الصغيره وحدهما إلى شرفة القصر ، فتعجب الأمير من طلب الشيخ ، ولباه على مضض ، على أن يبقى باب الشرفه مفتوح ، والحرس وقوف عليه  ، لأن الشيخ – مهما كان -غريب عن الإماره .. والغريب لايؤتمن .
ولما خلت الشرفه إلا من الشيخ والأميره الصغيره إقترب منها وقال لها بحنان أبوى:
  - يابنيتى .. لقد منّ الله عليكِ بنعم كثيره ، لاتعد ولاتحصى ، تغبطكِ عليها كل بنات الإماره ، فلماذا زهدّتِ فيها ، وتطلعتِ إلى مالا يزيدك شيىء فوق ماعندكِ حتى لو حصلتِ عليه ؟
فنظرت إليه الأميره الصغيره بوهن ، ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه ، كأنها زاهده فى سماع مايقول ، فهز الشيخ رأسه فى أسف ، وتقدم من الأميره الصغيره ،وقدم لها الوعاء ، وطلب منها أن تتخير من بين النجوم الصغيره التى تحيط بالقمر فى السماءمايروق لها ، وتأتى به فى هذا الوعاء ، حتى يصنع لها العقد الذى تريد .
أمسكت الأميره الصغيره بالوعاء ، وأخذت تقلب بصرها فى عجز وحيره بينه وبين النجوم التى تتلألأ فى السماء حول القمر ، ولم تدرِ ماذا تفعل .. كيف تصل إلى النجوم كى تنتقى منها ماتريد ؟ نكست الأميره الصغيره رأسها وهى تشعر بالعجز، وعلمت أنها كانت تطلب مالايستطيع أحد تحقيقه ، وأنها كانت واهمه حين ظنت أن والدها الأمير قادر على تحقيق كل شيىء وأى شيىء.
أدرك الشيخ مايدور فى ذهن الأميره الصغيره ، فإقترب منها وقال:
  - يابنيتى .. إن الإنسان إذا أراد أن يطاع ، فعليه أن يأمر بما يستطاع .
هزت الأميره الصغيره رأسها موافقه ، وهى تشعر بمزيد من الحزن والأسى على ماسببته لأبيها ولأهل الإماره جميعا ، بسبب رغبه حمقاء تملكتها دون النظرفى عواقبها ، أو مدى القدره على تحقيقها ، هوَّن الشيخ عليها الأمر قائلا :
  - تستطيع الأميره الصغيره تعويض والدها الأمير وأهل الإماره جميعا عما سببته لهم من متاعب ، وربما أستطيع أن أزين جبينها بتاج من نور ، يزيدها جمالا وبهاءً أكثر مما ظنتْ أن يحققه لها عقد النجوم المزعوم .
فبشت الأميره الصغيره وهتفت ،وهى تحاول النهوض من جلستها ،وقد بدأ منطق
 الشيخ يروق لها وتعجب به:
  - أين هذا التاج أيها الشيخ الجليل .. أرنى إياه بسرعه ؟
ضحك الشيخ فى وقار وقال لها :
  - مهلاً أيتها الأميره الصغيره ، فهذا التاج يمكن أن يستشعره المرء ويحس به ويراه دون أن يلمسه .
قالت الأميره الصغيره بحيره :
  - أى تاج هذا الذى يستشعره المرء ويحس به ويراه دون أن يلمسه ؟
قال الشيخ :
  - هو تاج من نور ، يزين جبين العلماء والحكماء ،تماما كالتاج الذى يزين جبين الأصحاء ولا يراه إلا المرضى .
ولم تفهم الأميره الصغيره كلام الشيخ ، فسألته فى براءه:
  - كيف يمكننى أن أشترى مثل هذا التاج أيها الشيخ الجليل ؟
قال الشيخ :
  - هناك أشياء كثيره فى الحياه لاتشترى بالمال ، ولاتقيم به ، منها هذا العقد .
قالت الأميره الصغيره فى يأس وحيره :
  - كيف يمكننى إذنً الحصول عليه ؟
قال الشيخ :
  - يمكن الحصول على مثل هذا التاج بالمثابره على طلب العلم والحكمه ، ويمكننى تزيين جبين الأميره الصغيره بمثله  إن هى إستجابت لنصحى وعملت به.
قالت الأميره الصغيره :
  - وبماذا تنصحنى أيها الشيخ الجليل ؟
قال الشيخ :
  - أولاً .. أن تعود الأميره الصغيره إلى سابق عهدها من الحيويه والنشاط ، وتتخلص من الحزن والأسى ، وتقبل على الحياه كما كانت ، وأن تنسى عقد النجوم بعدما تبين لها إستحالة تنفيذه .
فوافقت الأميره الصغيره على ذلك ، وقامت من فورها متهللة الأسارير ، ودخلت على والدها الأمير وقد تخلصت من حزنها وأساها ، وطلبت الطعام والشراب حتى تعود إليها عافيتها .
ولم يصدق الأمير عينيه وهو يرى إبنته على هذه الحاله ، فسُرَّ سروراً عظيما ، وعمت الفرحه والبهجه أرجاء القصر ، ومن شدة فرحه بعودة الأميره الصغيره إلى حالتها ، لم يسأل الشيخ عن عقد النجوم ، وماذا تم فيه ، فقد كان كل مايشغله هو حالة الأميره الصغيره التى تسوء يوما بعد يوم ، وماكان شغله بالعقد إلا لظنه إنه السبب فى سوء حالتها .
وأقبل الأمير على الشيخ يشكره على مساعدة الأميره الصغيره فى تجاوز محنتها ، وأراد أن يكافأه ، فرفض الشيخ بلطف لأن ماقام به كان تطوعا لله ، ومحتسبا أجره عليه ، لكن الأمير أصر على مكافأة الشيخ ، بل ويختار الشيخ بنفسه المكافأه التى تحلو له ، وأمام إصرار الأمير طلب الشيخ أن تكون مكافأته أن يستضيفه الأمير فى قصره مدة إقامته فى الإماره ، على أن يستقطع  ساعه من وقته يوميا ، بعد ان يفرغ من أمر الرعيه ، يجلس فيها مع الشيخ هو والأميره الصغيره والوزراء يتدبرون بعض آيات الكتاب الذى أنزله الله على خاتم رسله ، فسأله الأمير :
  - أتعنى بذلك كتاب المسلمين ؟
قال الشيخ بحماس :
  - بلى أيها الأمير .. أعنى القرآن الكريم
فقال الأمير بدهشه :
  - وهل تعد هذا الأمر مكافأه أيها الشيخ الجليل ؟
قال الشيخ :
  - نعم أيها الأمير هذه هى المكافأه التى أرتضيها بعد أن خيرتنى .
قال الأمير :
  - لك ذلك .. ولكن كنت أحب أن تطلب منى قصرا ً أو ضيعه أوبستان أو جواهر أو أى متاع آخر ذا قيمه .
قال الشيخ :
  - قيمة الأشياء يحددها الإنسان ، وماطلبته أقيم عندى من كل ماذكرته أيها الأمير.
قال الأمير:
  - أنت وماتريد .. لقد جعلت لك ساعه كل يوم بعد غروب الشمس ، لننظر ماذا لديك لتخبرنا به عن هذا الكتاب ، وذلك حتى نمل .
وبدأ الشيخ بالفعل يجلس مع الأمير ، والأميره الصغيره والوزراء ساعه يوميا بعد غروب الشمس ، وراح يتدارس معهم القرآن الكريم ، ويتدبرون مافيه من نور وحكمه ، وإستطاع الشيخ بإخلاصه وحبه أن يفرغ من إنائه فى أوانيهم الفارغه ،وأن يملأ قلوبهم وعقولهم بنور التوحيد والعلم والحكمه حتى تشربته ، وإنبهر الأمير بما سمع وعلم من أمر هذا الدين ، وطلب من الشيخ زيادة الوقت الذى يجلس فيه معهم حتى يروى ظمأه ونهمه لهذا الدين .     
ولم تنتهى مده إقامة الشيخ وأصحابه فى الإماره إلا وقد أسلم الأمير وتبعته الأميره الصغيره والوزراء ، وشاع العدل فى حكمه ، وأوقف الأميرمعظم أملاكه لله تعالى خدمه لهذا الدين ، ونشره وتعليمه لأهل الإماره والإمارات التى حولها ، حتى يعم العالم العدل والرحمه والإخاء ، وجعل الأميره الصغيره تديره بعد أن نضج عقلها ، وإزدان جبينها بتاج من نور العلم والحكمه كما وعدها الشيخ .
وتهيأ التجار المسلمون لمغادرة الإماره والعوده إلى ديارهم ، وخرج الأميربنفسه لتوديعهم هو والأميره الصغيره والوزراء ، عرفانا لهم بالفضل ، وراح الشيخ وأصحابه يلوحون لمودعيهم من فوق ظهر السفينه ، وهتف الشيخ فى أصحابه وهو يغالب دموعه :
( كم من الممالك والإمارات على ظهر هذه الأرض تحتاج أن نملأ بنور الإسلام والتوحيد أوانيها الفارغه )
وإنطلقت السفينه بثبات .. تشق موج البحر..
                                                               محمد خميس محمد محمد حميده