الأوانى
الفارغـه
(عقد من النجوم الصغيره ، المتلألأه
فى السماء حول القمر يزين عنقها .. وشعور طاغ ٍ بالسعاده يغمرها )
كان هذا آخر مارأته الأميره الصغيره فى منامها ، فإستيقظت وصورة هذا العقد
، ونشوة هذا الشعور منقوشه فى ذهنها ونفسها لاتفارقه ، فإمتلأت رغبه وشوق للحصول
على مثل هذا العقد ، وأصبح هذا الأمر هو شغلها الشاغل ،وضالتها المنشوده ، كأنها
بدونه لاشيىء وبه ستصبح كل شيىء.
وعلى الفور حملت الأميره الصغيره هذه الرغبه إلى والدها الأمير، الذى لم
يؤخر لها رغبه من قبل ، فكل أحلامها ورغباتها أوامر واجبة النفاذ فور الإعلان عنها
، فهى إبنته الوحيده التى رزق بها بعد طول إنتظار.
ودون تفكير ، أمر الأمير كل جواهرجية الإماره بالعمل على تحقيق رغبة الاميره ، لكنهم أخفقوا جميعا فى تحقيقها بعد عدة محاولات فاشله ، فصعقت الأميره الصغيره ،
وتزلزل كيانها ، وإنطلقت إلى حجرتها حزينه باكيه ، فإنخلع قلب الأمير لحزنها
وإنكسارها ، وأمر بقتل جميع الجواهرجيه ، وأرسل من ينادى فى أرجاء الإماره برغبة
الأميره الصغيره فى عقد من النجوم الصغيره المتلألأه فى السماء حول القمر ، ووعد
من يحققها بالخير الوفير والعطاء الجزيل .
وإنبرى سكان الإماره لتحقيق تلك الرغبه ، وأصبح لاشغل لهم ولاحديث إلا عقد
النجوم ، وشلت أسباب الحياه فى الإماره تماما، المزارعون أهملوا أرضهم وزراعتهم وخلت
الأسواق من الخضر والفاكهه ، والصنـّاع أهملوا صناعتهم وفرغت الأسواق من الملابس والمنسوجات
وأدوات المعيشه والصيادون أهملوا صيدهم وشحت الأسماك فى الأسواق،الجميع ترك مايحسن
ومايتقن من عمل ، وإنطلق يلهث وراء رغبه طائشه أقرب للجنون منها إلى العقل والحكمه
.
وفشل الجميع فى النهايه فى تحقيق رغبة الأميره الصغيره التى لم ترض إلا
بتحقيقها ، فإزدادت حالتها سوء على سوء حتى إنها لم تعد تقبل على طعام أوشراب ،
وفقدت رغبتها فى الحياه نفسها ، وأوشكت على الهلاك ، وفشلت كل محاولات الأطباء فى
علاجها وإخراجها مما هى فيه ، فجن جنون الأمير ، وأمر بقتل الأطباء جميعا ً.
ولاحت نذر المجاعه وشبحها فى أفق
الإماره ، بعد البحبوحه ووفره العيش التى كانت تنعم بهما ، وأصبح الناس يعيشون على
ماتجلبه السفن من طعام وشراب وأدوات معيشه من خارج الإماره ، بعد أن فرغت منها
الأسواق ، وإستغل التجار تردى أوضاع الإماره ورفعوا أسعار بضاعتهم ، نظرا لحاجة الناس إليها ،
وإقبالهم الشديد عليها ، إلا حفنه صغيره من التجاركانوا من خارج الإماره ، وكان
السكان يعرفونهم بسمتهم وسماتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم ، وكانوا يطلقون عليهم التجار
المسلمين ، لم يفرح هؤلاء التجار بتردى أوضاع الإماره كما فرح غيرهم ، بل ساءهم
ذلك وأحزنهم، ولم يرفعوا أسعار بضاعتهم كما فعل غيرهم ، بل خفضوها لمن توسموا فيهم
الفقر وعدم الإستطاعه ، وأكثر من ذلك راحوا يتشاورون ويفكرون فى كيفية مساعدة أهل
الإماره على إستعادة نشاطهم وحيويتهم ، وتجاوز ماألم بهم من ضيق وضنك ، ولم يقولوا
كما قال غيرهم أن الأمر لايعنيهم ، بل قالوا هكذا المسلم يحمل الخيردائما لأى مكان
يحل فيه وينشره على من حوله .
وإستقر رأى التجار المسلمين بعد تشاورهم على إرسال أكثرهم علم وحلم وحكمه
إلى قصر الأمير – وكان شيخا كبيرا وضيىء الوجه عليه مهابه - لتبصيره هو والأميره الصغيره بعواقب ماهم مقدمون
عليه ، على أن يتولى باقى التجار أمر الرعيه فى حثهم على العوده إلى أعمالهم .
وعلى الفور بدأوا فى تنفيذ ما
إستقر عليه رأيهم ، متطوعين ومحتسبين أجرهم على الله ، فتزود الشيخ وحمل عصاه ،
وإنطلق إلى قصر الأمير ، بينما راح باقى التجار يبينون لأهل الإماره ضلال سعيهم ،
وفساد توجههم حين تركوا أعمالهم وأمور حياتهم ، وإنطلقوا يبحثون فى أمور لاقبل لهم
بها ، فقالو لهم :
- إن النجوم التى تبدوا صغيره فى
السماء ليست كذلك فى الحقيقه ، لكنها عظيمة الحجم ، وإنما تبدوا صغيره لبعدها عن
الأرض بمسافات كبيره ، وأن هذه النجوم خلقها الله زينه للسماء ، ولم يجعلها زينه
يتزين بها أحد من أهل الأرض ، وهى مسخره فى فلكها ، وليس لبشر سلطان عليها حتى
يزحزحها من مكانها فضلا عن أن ينزل بها إلى الأرض ....
وبدأت الناس تعقل ، وتفهم حديث التجار المسلمين ، وأخذوا على عاتقهم تبليغ
الحديث إلى غيرهم ، حتى بدأت الناس فى الإماره تثوب إلى رشدها ، وينقطع أملها فى
عقد النجوم المزعوم .
أما الشيخ الحكيم فقد بلغ قصر الأمير بعد عدة أيام ، ولم يفتر عزمه وحماسه
للمهمه التى تطوع للقيام بها ، رغم ماناله من إجهاد وتعب ، وطلب من حراس القصر
مقابلة الأمير ، فمنع من ذلك أول الأمر ، ثم مالبث أن أمر الأمير بإدخاله عليه
بسرعه ، بعدما علم بالمهمه التى جاء من أجلها ، فدخل الشيخ متوكأعلى عصاه حتى وقف
بين يدى الأمير ، وسمح له بالجلوس والحديث ، فجلس الشيخ يلتقط أنفاسه ، والأمير
يتفرسه فى توجس محاولا إستجلاء أمره ، وطال صمت الشيخ ، فإستحثه الأمير على الكلام
، فقال الشيخ بهدوء وثقه :
- أستطيع مساعدة الأميره الصغيره
فى تحقيق رغبتها ، لوحقق لى الأمير رجاء ، وحققت لى الأميره الصغيره طلب .
فقال الأمير على الفور وقد إستهون الأمر :
- كل ماتطلبه مجاب ، وسأمنحك فوق
ماتريد وماتطلب .
ثم إستدرك الأمير كلامه مهددا ومتوعدا الشيخ ، بعد أن قبض بقبضته على الهواء
بقوه وراح يلوح بها :
- لكن .. إذا لم تحقق المطلوب ،
لن يكفينى أن أنتزع روحك من جسدك نفسا نفسا ، وأشرب من دمك قطره قطره ، لأن الأمر
أصبح لايحتمل أى إخفاق أو فشل .
فنظر الشيخ بإبتسامته الحانيه إلى الأمير المتحفز، غير آبه بتهديده ووعيده
، ملتمسا له بعض العذر، وقال بهدوء وثقه :
- أما رجائى من الأمير فهو أن
يأمر أهل الإماره بالكف عن السعى فى تحقيق رغبة الأميره الصغيره بعد أن وعدت
الأمير بتحقيق ذلك بنفسى .
فهتف الأمير وقد أخذته الثقه التى يتحدث بها الشيخ :
- لك ذلك .. وأمر من فوره بعودة
كل صاحب عمل إلى عمله ، فعاد المزارعون إلى أرضهم وزراعتهم ، والصناع إلى صناعتهم
، والصيادون إلى صيدهم ، والتجار إلى تجارتهم ، فحمد الشيخ ربه على ذلك ، وسأله
الأمير عن طلبه الثانى ، فقال الشيخ :
- معذرا أيها الأمير ، فطلبى
الثانى لاتنفذه إلا الأميره الصغيره بنفسها .
فأرسل الأمير فى طلبها ، فجيىء بها محموله من شدة ماأصابها من ضعف وإعياء
بسبب حزنها وأساها ، فنظر إليها الشيخ بعطف ، وقد أخذته الشفقه عليها ، وطلب من
الأمير أن يرسل من يأتى له بوعاء كبير، وأن يسمح له بالخروج مع الأميره الصغيره
وحدهما إلى شرفة القصر ، فتعجب الأمير من طلب الشيخ ، ولباه على مضض ، على أن يبقى
باب الشرفه مفتوح ، والحرس وقوف عليه ،
لأن الشيخ – مهما كان -غريب عن الإماره .. والغريب لايؤتمن .
ولما خلت الشرفه إلا من الشيخ والأميره الصغيره إقترب منها وقال لها بحنان
أبوى:
- يابنيتى .. لقد منّ الله عليكِ
بنعم كثيره ، لاتعد ولاتحصى ، تغبطكِ عليها كل بنات الإماره ، فلماذا زهدّتِ فيها
، وتطلعتِ إلى مالا يزيدك شيىء فوق ماعندكِ حتى لو حصلتِ عليه ؟
فنظرت إليه الأميره الصغيره بوهن ، ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه ، كأنها
زاهده فى سماع مايقول ، فهز الشيخ رأسه فى أسف ، وتقدم من الأميره الصغيره ،وقدم
لها الوعاء ، وطلب منها أن تتخير من بين النجوم الصغيره التى تحيط بالقمر فى السماءمايروق لها ، وتأتى به فى هذا الوعاء ، حتى يصنع لها العقد الذى تريد .
أمسكت الأميره الصغيره بالوعاء ، وأخذت تقلب بصرها فى عجز وحيره بينه وبين
النجوم التى تتلألأ فى السماء حول القمر ، ولم تدرِ ماذا تفعل .. كيف تصل إلى
النجوم كى تنتقى منها ماتريد ؟ نكست الأميره الصغيره رأسها وهى تشعر بالعجز، وعلمت
أنها كانت تطلب مالايستطيع أحد تحقيقه ، وأنها كانت واهمه حين ظنت أن والدها الأمير
قادر على تحقيق كل شيىء وأى شيىء.
أدرك الشيخ مايدور فى ذهن الأميره الصغيره ، فإقترب منها وقال:
- يابنيتى .. إن الإنسان إذا أراد
أن يطاع ، فعليه أن يأمر بما يستطاع .
هزت الأميره الصغيره رأسها موافقه ، وهى تشعر بمزيد من الحزن والأسى على
ماسببته لأبيها ولأهل الإماره جميعا ، بسبب رغبه حمقاء تملكتها دون النظرفى
عواقبها ، أو مدى القدره على تحقيقها ، هوَّن الشيخ عليها الأمر قائلا :
- تستطيع الأميره الصغيره تعويض
والدها الأمير وأهل الإماره جميعا عما سببته لهم من متاعب ، وربما أستطيع أن أزين
جبينها بتاج من نور ، يزيدها جمالا وبهاءً أكثر مما ظنتْ أن يحققه لها عقد النجوم
المزعوم .
فبشت الأميره الصغيره وهتفت ،وهى تحاول النهوض من جلستها
،وقد بدأ منطق
الشيخ يروق لها
وتعجب به:
- أين هذا التاج أيها الشيخ
الجليل .. أرنى إياه بسرعه ؟
ضحك الشيخ فى وقار وقال لها :
- مهلاً أيتها الأميره الصغيره ،
فهذا التاج يمكن أن يستشعره المرء ويحس به ويراه دون أن يلمسه .
قالت الأميره الصغيره بحيره :
- أى تاج هذا الذى يستشعره المرء
ويحس به ويراه دون أن يلمسه ؟
قال الشيخ :
- هو تاج من نور ، يزين جبين
العلماء والحكماء ،تماما كالتاج الذى يزين جبين الأصحاء ولا يراه إلا المرضى .
ولم تفهم الأميره الصغيره كلام الشيخ ، فسألته فى براءه:
- كيف يمكننى أن أشترى مثل هذا
التاج أيها الشيخ الجليل ؟
قال الشيخ :
- هناك أشياء كثيره فى الحياه
لاتشترى بالمال ، ولاتقيم به ، منها هذا العقد .
قالت الأميره الصغيره فى يأس وحيره :
- كيف يمكننى إذنً الحصول عليه ؟
قال الشيخ :
- يمكن الحصول على مثل هذا التاج
بالمثابره على طلب العلم والحكمه ، ويمكننى تزيين جبين الأميره الصغيره بمثله إن هى إستجابت لنصحى وعملت به.
قالت الأميره الصغيره :
- وبماذا تنصحنى أيها الشيخ الجليل
؟
قال الشيخ :
- أولاً .. أن تعود الأميره
الصغيره إلى سابق عهدها من الحيويه والنشاط ، وتتخلص من الحزن والأسى ، وتقبل على
الحياه كما كانت ، وأن تنسى عقد النجوم بعدما تبين لها إستحالة تنفيذه .
فوافقت الأميره الصغيره على ذلك ، وقامت من فورها متهللة الأسارير ، ودخلت
على والدها الأمير وقد تخلصت من حزنها وأساها ، وطلبت الطعام والشراب حتى تعود
إليها عافيتها .
ولم يصدق الأمير عينيه وهو يرى إبنته على هذه الحاله ، فسُرَّ سروراً عظيما
، وعمت الفرحه والبهجه أرجاء القصر ، ومن شدة فرحه بعودة الأميره الصغيره إلى حالتها
، لم يسأل الشيخ عن عقد النجوم ، وماذا تم فيه ، فقد كان كل مايشغله هو حالة
الأميره الصغيره التى تسوء يوما بعد يوم ، وماكان شغله بالعقد إلا لظنه إنه السبب
فى سوء حالتها .
وأقبل الأمير على الشيخ يشكره على مساعدة الأميره الصغيره فى تجاوز محنتها
، وأراد أن يكافأه ، فرفض الشيخ بلطف لأن ماقام به كان تطوعا لله ، ومحتسبا أجره
عليه ، لكن الأمير أصر على مكافأة الشيخ ، بل ويختار الشيخ بنفسه المكافأه التى
تحلو له ، وأمام إصرار الأمير طلب الشيخ أن تكون مكافأته أن يستضيفه الأمير فى
قصره مدة إقامته فى الإماره ، على أن يستقطع ساعه من وقته يوميا ، بعد ان يفرغ من أمر الرعيه
، يجلس فيها مع الشيخ هو والأميره الصغيره والوزراء يتدبرون بعض آيات الكتاب الذى
أنزله الله على خاتم رسله ، فسأله الأمير :
- أتعنى بذلك كتاب المسلمين ؟
قال الشيخ بحماس :
- بلى أيها الأمير .. أعنى القرآن
الكريم
فقال الأمير بدهشه :
- وهل تعد هذا الأمر مكافأه أيها
الشيخ الجليل ؟
قال الشيخ :
- نعم أيها الأمير هذه هى
المكافأه التى أرتضيها بعد أن خيرتنى .
قال الأمير :
- لك ذلك .. ولكن كنت أحب أن تطلب
منى قصرا ً أو ضيعه أوبستان أو جواهر أو أى متاع آخر ذا قيمه .
قال الشيخ :
- قيمة الأشياء يحددها الإنسان ،
وماطلبته أقيم عندى من كل ماذكرته أيها الأمير.
قال الأمير:
- أنت وماتريد .. لقد جعلت لك
ساعه كل يوم بعد غروب الشمس ، لننظر ماذا لديك لتخبرنا به عن هذا الكتاب ، وذلك
حتى نمل .
وبدأ الشيخ بالفعل يجلس مع الأمير ، والأميره الصغيره والوزراء ساعه يوميا
بعد غروب الشمس ، وراح يتدارس معهم القرآن الكريم ، ويتدبرون مافيه من نور وحكمه ،
وإستطاع الشيخ بإخلاصه وحبه أن يفرغ من إنائه فى أوانيهم الفارغه ،وأن يملأ قلوبهم
وعقولهم بنور التوحيد والعلم والحكمه حتى تشربته ، وإنبهر الأمير بما سمع وعلم من
أمر هذا الدين ، وطلب من الشيخ زيادة الوقت الذى يجلس فيه معهم حتى يروى ظمأه
ونهمه لهذا الدين .
ولم تنتهى مده إقامة الشيخ وأصحابه فى الإماره إلا وقد أسلم الأمير وتبعته
الأميره الصغيره والوزراء ، وشاع العدل فى حكمه ، وأوقف الأميرمعظم أملاكه لله
تعالى خدمه لهذا الدين ، ونشره وتعليمه لأهل الإماره والإمارات التى حولها ، حتى
يعم العالم العدل والرحمه والإخاء ، وجعل الأميره الصغيره تديره بعد أن نضج عقلها
، وإزدان جبينها بتاج من نور العلم والحكمه كما وعدها الشيخ .
وتهيأ التجار المسلمون لمغادرة الإماره والعوده إلى ديارهم ، وخرج
الأميربنفسه لتوديعهم هو والأميره الصغيره والوزراء ، عرفانا لهم بالفضل ، وراح
الشيخ وأصحابه يلوحون لمودعيهم من فوق ظهر السفينه ، وهتف الشيخ فى أصحابه وهو
يغالب دموعه :
( كم من الممالك والإمارات على ظهر هذه الأرض تحتاج أن نملأ بنور الإسلام
والتوحيد أوانيها الفارغه )
وإنطلقت السفينه بثبات .. تشق موج البحر..
محمد خميس محمد محمد حميده