السبت، 24 أغسطس 2013

حفصه والقلم

حفصه والقلم

حفصه طفله صغيره ، تحب أمها وتحب أباها ، وتحب أن تقلدهما ، فهى تصلى بجوار أمها إذا صلـّّت ، وتجلس فى حجرها وتقرأ معها القرآن إذا قرأت ، وتصر على إرتداء خمارها الصغير إذا خرجت ، حتى عروستها الصغيره كانت تحنو عليها ، وتغضب منها وتعاقبها بالطريقه التى تفعلها معها أمها .
وكانت الأم تحب طريقة حفصه البريئه فى تقليدها ، وتسعد بها ،وتحرص على ألا ترى منها ، أو تسمع إلا كل خير وكل حسن .
أما أبوها فقد كان يعانى من محاولة تقليدها له ، لأنها لم تكن تقلده إلا فى إرتداء نظارته الطبيه ،ومحاولة القراءه فى كتبه ، والكتابه على أوراقه ، وكثيرا مانهرها وهم ّبعقابها لأنهاعبثت بالقلم فى أوراق مهمه بالنسبه له ، أو فى كتاب كان يقرؤه ، رغم حرصه الشديد على حفظ أوراقه وكتبه بعيدا عن متناول يدها ، لكنها كانت لاتعدم الوسيله التى تصل بها متعلقاته وتعبث بها .
ورأى والدها فى النهايه أن يرضى فيها هذه النزعه بعيدا ًعن متعلقاته ، فإشترى لها كراسه وقلما رصاصا وأعطاهما إياها ، بعد أن أخذ عليها عهدا بألا تكتب بالقلم على أوراقه وكتبه ، أو تضعه فى فمها حتى لاتصاب بالأمراض .
وحاولت حفصه – بمساعدة والدتها – حفظ عهدها مع أبيها ، فكانت كلما رغبت فى تقليد أبيها أسرعت إلى كراستها وقلمها ، وراحت ترسم فى نشوه خطوطا ًمتداخله بطريقتها الخاصه ، خطوطاً ليست لها أى ملامح ، لكنها كانت ذات قيمه ومعنى بالنسبه لها ، فهذا الخط يمثل فأراً صغيراً ، وذاك يمثل القط الذى يطارده .. وهكذا..
وذات يوم رأت حفصه والدها بين أوراقه ، فأسرعت إلى كراستها وقلمها ، لكنها لم تجد القلم فى مكانه ، فراحت تبحث عنه حتى وجدته على الأرض يبكى، فإنزعجت حفصه لبكاء القلم ، وحملته برفق وهى تربت عليه وتمسحه بيدها فى حنان ، وقالت له بإشفاق :
  - لماذا تبكى أيها القلم .. ؟ مالذى أغضبك ..؟
قال القلم من خلال دموعه :
  - لقد سقطت على الأرض وإنكسر سنى .
قالت حفصه فى تعاطف ظاهر مع القلم :
  - مسكين أنت أيها القلم .. لاشك إنها تؤلمك .. لقد جربت ذلك من قبل .
قال القلم وهو يخفى دهشته ، بعد أن كف عن البكاء :
  - هل إنكسر سنك من قبل ؟
قالت حفصه مؤكده ماتقول :
  - نعم .. أنظر ، وفتحت فمها وأشارت إلى مكان خال ٍبين أسنانها لسن ٍ مفقوده .
قال القلم بإهتمام :
  - وكيف حدث ذلك ؟
قالت حفصه :
  - سقطت عليها ، وآلمتنى كثيرا ، وأصبحت السنّ غير ثابته فى مكانها ، تهتز كلما تناولت طعاما فتؤلمنى ، وتجعلنى أبكى ، حتى إنتزعها لى أبى وقال سوف تخرج مكانها سنّ أخرى جديده ، ستكون أجمل وأقوى من السن ّ التى إنكسرت .. وأنت أيها القلم .. ألا يخرج لك سن بدلاً من الذى إنكسر ؟
فضحك القلم وقال :
  - إننى لست مثلك .. وسنك غير سنى .
قالت حفصه مؤكده :
  - نعم لقد لاحظت ذلك ، فسنك أسود ، أما أنا فسنى بيضاء .
قال القلم وقد علا ضحكه :
  - ليس ذلك فحسب !
قالت حفصه فى دهشه :
  - وماذا أيضا ..؟
قال القلم :
  - أنت ِكائن حى ، أما أنا فجماد .
قالت حفصه وقد زادت دهشتها :
  - وماذا يعنى ذلك ؟
قال القلم :
  - الكائن الحى مثلك يأكل ويشرب وينمو ويتنفس ويتكاثر.. أى يكون له أولاد عندما يكبر ويتزوج ، أما الجماد مثلى لايأكل ولا يشرب ولايتمو ولايتنفس ولايتكاثر.. بل ربما يصغر ويضمحل .
قالت حفصه مصدقه على كلام القلم :
  - نعم .. إن الذى لايتناول طعامه لايكبر ،ولاينمو ، هكذا قالت لى أمى ، وأنت أيها القلم ربما تصغر لأنك لاتأكل ..
قال القلم :        
- ليس ذلك هو السبب .. ولكنى أصغر لأنه عندما ينكسر سنى لايظهر مره أخرى إلا عندما يقشط عنه جلدى بالمبراه أو الموس ، فأظل أصغر كلما إنكسر سنى حتى أنتهى .
قالت حفصه :
  - لكن أقلام أبى لاينكسر لها سن ولاتصغر !
قال القلم :
  - نعم .. فأقلام الكبار لها أسنان قويه مثل أسنانهم .. لكى تتحمل كثرة إستخدامهم لها فى الكتابه .
قالت حفصه مؤيده كلام القلم :
  - صدقت .. فأبى يجلس ساعات طويله فى حجرة مكتبه يكتب بالقلم ، فهو يكتب للأطفال قصص جميله ، وهو الآن يكتب إحدى هذه القصص ليشترك بها فى مسابقه .. هكذا قالت لى أمى .
قال القلم :
  - أعرف ذلك .
قالت حفصه بدهشه :
  - هل كنت تعرف أن أبى يجلس الآن يكتب قصه جديده للأطفال ليشترك بها فى مسابقه قبل أن أخبرك ؟
قال القلم :
  - نعم .
قالت حفصه :
  - وكيف عرفت ذلك ؟ هل سمعت أمى وهى تقول لى ذلك عندما حاولت أن أفتح باب حجرة المكتب على أبى ؟
قال القلم :
  - لا لم أسمعها ، لكنى عرفت ذلك من قلم أبيكِ ، فقد تحدثت معه بالأمس ، عندما تركتنى يداكِ فوق سطح المكتب .
قالت حفصه :
  - وهل أخبرك القلم بما يكتبه أبى فى قصته الجديده ؟
قال القلم مستنكرا :
  - لا.. لم يخبرنى بشيىء، فنحن نحفظ أسرار من يستعملنا ، لكنه فضفض معى ببعض الأشياء التى لم أسمع بها من قبل .
قالت حفصه :
  - وأنا أيضا سمعت من أمى اليوم أشياء لم أسمع بها من قبل عندما سألتها عن قصة أبى الجديده للأطفال ، وقالت ستشرح لى معناها بعد أن تفرغ من
إعداد الطعام .
قال القلم :
  - هل قالت لكِ أن أباكِ يكتب عن ( الوقف الخيرى ، والتطوع ، وأعمال البر)
قالت حفصه بإنبهار :
  - نعم .. نعم .. يالك من قلم عجيب .. كيف تعرف مثل هذه الأشياء ؟
قال القلم :
  - ألم أقل لكِ أننى تحدثت مع قلم أبيكِ بالأمس ..
قالت حفصه :
  - وهل قال لك ماذا تعنى هذه الكلمات ؟
قال القلم :
  - نعم .. لكنى لم أفهمها جيداً .. وإستحييت أن أطلب منه مزيدا من الإيضاح .
قالت حفصه :
  - وماذا قال لك عنها ..
قال القلم :
  - مافهمته من كلامه ، أن الإنسان إذا أراد أن يتصدق بشيىء فالأفضل أن يجعله وقفا لله تعالى ، إذا كان أصل هذا الشيىء لايفنى بالإنتفاع به .. أما إذا كان يفنى أصله بالإنتفاع به فلا يجوز وقفه .
قالت حفصه وقد بدا عليها عدم الفهم :
  - وماذا يعنى ذلك ؟
قال القلم :
  -  لاأعرف .. إلا أنه قال ، إذا كان للإنسان بستان مثلاً وأراد أن يتصدق به فالأفضل له ألا يبيعه ويتصدق بثمنه ، إنما يجعل هذا البستان وقفا لله تعالى ، أى تصبح ملكية هذا البستان لله للأبد ، فلا يباع ، ولايرهن ، ولايوهب ، وأن يتصدق بثمار هذا البستان ، أو العائد من بيعها للفقراء وفى أعمال الخير  وتكون بذلك صدقه جاريه له ، أى يصله ثوابها طالما إنتفع الناس بخير هذا البستان حتى بعد مماته .
قالت حفصه :
  - وإذا كان لدى الإنسان مال سائل ويريد أن يتصدق به ، هل يفعل ذلك أيضا؟
قال القلم :
  - أعتقد أنه من الأفضل لمثل هذا الإنسان – إذا كان المال كثيرا – أن يشترى به بستان ، أو يساهم به فى بناء مستشفى أو مستوصف يعالج فيه الفقراء والمحتاجين ،أو يضعه فى أى شيىء ينفع الناس ويكون له بذلك صدقه جاريه ، بشرط أن يكون عمله هذا خالصاً لله تعالى .
قالت حفصه :
  - يبدوا أنك تحدثت مع قلم أبى كثيراً ، ويبدوا أيضا أنه يعانى كثيرا من كثرة إستخدام أبى له ، ولكن ألم يذكر لك شيئا عن العمل التطوعى ؟
قال القلم :
  - لم يقل لى إلا أنه العمل الذى يعمله الإنسان عن حب ، وبدافع من نفسه ، أى ليس فيه إجبار أو إكراه ، ولايبتغى من ورائه أى عائد أو مقابل إلا ثواب الله فى الآخره.  
قالت حفصه :
  - لم أفهم كثيرا مما قلت ، ولكنى أستشعر فيه الخير، وسأذهب الآن إلى أمى كى تشرح لى ذلك بالتفصيل ، حتى أستمتع بفعله عندما أكبر ويكون لى مالى الخاص .
ووضعت حفصه القلم فى كراستها ، وإنطلقت إلى أمها كى تعرف منها أكثر عن معنى الوقف الخيرى ، والعمل التطوعى .