السبت، 24 أغسطس 2013

الحمار ملك الغابه

الحمار ملك الغابه

مات الأسد.. وقابلت حيوانات الغابه هذا الخبر بالبشر والترحاب ،
وغمرها فرح شديد، فقد كان الأسد الراحل ملكاً ظالماً مستبدا ً، لم يسلم
من بطشه أحد من سكان الغابه .. أطلق أعوانه وزبانيته وبطانته يعيثون
فى الغابه وأهلها فساداً.. قطعوا كل الألسنه التى كانت تنطق بغير مايريدون
فقأوا كل العيون التى كانت ترى غير مايرون ، حولوا الغابه إلى سجن كبير
لكل الحيوانات .. لم يتقدم فى عهد الأسد الراحل إلا المتلهفون على تلميع
صورته أمام سكان الغابه ، ولم يسلم من بطشه إلا من يدور فى فلكه ويسبح بحمده .
        لذلك كان يوم موت الأسد يوم عيد فى الغابه ، وتنفست الحيوانات الصعداء ، بعد أن حبس أنفاسهم طويلاً ، وظنت حيوانات الغابه أن الحياه سوف تصفو لهم بعد أن تكدرت طويلاً ، وأن الأقدار قد رشحتهم من جديد للراحه بعد طول عناء ، وأن كل شيىء سوف يتغير للأفضل دون تدخل فعال منهم .
       وإنتقلت السلطه إلى الفهد ـ وزير الأسد الراحل – حسب قانون الغابه
وأصبح الفهد ملكاً مؤقتاً للغابه لفتره إنتقاليه ، يتم خلالها إجراء إنتخابات    فى الغابه لإختيار الملك الجديد .
       وفى أول بيان للفهد – الملك المؤقت للغابه – تعهد بنقل السلطه بطريقه سلميه لمن يختاره سكان الغابه من الحيوانات فى إنتخابات حره ونزيهه سوف تجرى قريباً.. وإنطلقت حيوانات الغابه تبحث بينها عن مرشح ترتاح إليه وتثق فى حكمته وقدرته على القياده تقدمه ليحتل مكان الأسد الراحل ، وتعفف حكماء الغابه عن المشاركه الفعاله فيما يحدث على إعتبار أنه لغو لاطائل من ورائه ، وحمد لهم الزبانيه والبطانه هذا الموقف وإعتبروه عين الحكمه ، وإنطلق هؤلاء الزبانيه يتحركون بسرعه فى كل إتجاه ، يبحثون عن واحد من عامة الحيوانات يقدمونه ، ويساندونه بقوه ، ويلمعونه حتى تقتنع به الحيوانات فى الغابه ولاتملك فى النهايه إلا أن تختاره ملكاً عليها ، أهم ماكانوا يبحثون عنه فى هذا الحيوان الذى سيرشحونه للملك ، أنه لايستطيع أن يقطع أمراً بدونهم ، ولايملك الإنقلاب عليهم ، يريدونه واجهه أنيقه يفعلون من خلاله مايشاءون دون أن يكون له القدره على الإعتراض عليهم أومنعهم .
        بحثوا بين الحيوانات فلم يجدوا أفضل من الحمار للقيام بهذا الدور ، وقبل الحمار عرضهم على الفور ، وأعجبته المكانه التى إحتلها بين سكان الغابه بين عشيه وضحاها ، أغرته هذه المكانه بالإستمرار ، وبدأوا فى تلميعه بعنايه ، أنفقوا على حملته بسخاء ، أقاموا له المؤتمرات والسرادقات ، حشدوا فيها حيوانات ذوات أكف سميكه تجيد التصفيق ، وحيوانات أخرى ذوات حناجر قويه تجيد الهتاف والتهليل ، أعدوا له الخطب الرنانه التى تلهب مشاعر الحيوانات الساذجه .
        وبدأت الحيوانات تلتف حول الحمار مدفوعه ومبهوره بهاله الضوء المسلطه عليه .. رأت فيه فى البدايه القدره على الصبر وقوة الإحتمال  ، ومع إستمرار عمليات التلميع وغسل المخ وتسليط الأضواء المبهره التى تفقد العين القدره على التمييز ، أصبحت الحيوانات ترى فى الحمار حكمه لم تفطن إليها من قبل ، وهكذا أخذ سهم الحمار يرتفع تدريجياً حتى أطاح بكل منافسيه ، الذين لايملكون –مثله- مساندة الزبانيه والبطانه ، التى تمتلك بدورها وسائل التلميع وغسل المخ والأضواء.
      وأقامت الغابه حفله كبيره لتتويج الحمار ملكاً عليها ، وأعدت الزبانيه والبطانه سهره حتى الصباح ، تغنت فيها الحيوانات ورقصت وتمايلت وأنشدت أناشيد الحكمه والتمجيد للحمار الملك .
      وبدأت الحيوانات فى الغابه تتطلع إلى آفاق رحبه جديده فى عهد الملك الجديد ، لم تبلغها من قبل فى عهد الملك السابق ، وأخذت تحلم وتحلم وتتطلع وتأمل.
     لكن .. مع الوقت بدأت الأحلام تتبخر ، والآمال تتهاوى ، وأخذت الحقيقه المرّه تتكشف أمام أعينهم شيئاً فشيئاً ، وظهر لهم الأمر أسوأ مما كان عليه فى العهد السابق ، فقد كان الأسد الراحل – رغم ظلمه وبطشه – يستطيع أن يلجم زبانيته وبطانته ، فهو الذى كان يحركهم , أما الملك الجديد فقد ألجمته الزبانيه والبطانه ، ليس ذلك فحسب بل وإمتطته أحياناً ولم يجد بأس فى ذلك ، فالمهم عنده أن يظل ملكاً للغابه والأضواء مسلطه عليه ، وليس مهماً بالنسبه له أن يحكم .
     وإستسلمت حيوانات الغابه لمصيرها فى صمت ، وإعتبرت ذلك قدراً محتوماً عليها ، كل الذى فعلته أنها راحت سراً تنعى حظها وقدرها العاثر.
     أما الزبانيه والبطانه فقد أطلقت يدها بالبطش والتنكيل فى كل إتجاه دون تحفظ أو إعتبار لملك أو رعيّه .

وإجتمع حكماء الغابه سراً يبحثون لهم عن مخرج من هذا الكرب العظيم ، الذى حل بهم .. لكنهم  - حتى الآن – لم يتفقوا على شيىء ، ومازالوا يجتمعون .. ومازالوا يبحثون .. ومازالوا يختلفون.



                                           أ / محمد خميس حميده